ساركوزي وميراث الجمهورية الفرنسية الثالثة
بقلم/ ممدوح الشيخ
mmshikh@hotmail.com
لا تكاد توجد قضية ساهمت في تشكيل العقل السياسي الحديث كالعلاقة بين ما هو نخبوي وما هو جماهيري، بين ما يجوز تركه للإجراءات وصناديق الانتخاب وآليات التصويت المختلفة، وما يجب الاستئثار به في دوائر نخبوية ضيقة، وأحيانا مغلقة!
والدولة الحديثة التي كان على رأس أهدافها إنهاء نفوذ الإكليروس الكنسي بسبب المحرمات التي فرضها، إذ جعلت إرادة الإنسان – الفردية والجماعية – تبدو منقوصة نتيجة "تأميم" بعض القضايا وجعلها مقصورة على الإكليروس، هذه الدولة أحلت شكلا آخر من "الإكليروس الوطني". وما زالت الخيوط تتكشف شيئا فشيئا عن أدوار حاسمة لجماعات مغلقة (بعضها سري وبعضها نصف علني والقليل منها علني) ساهمت بقوة في صياغة المشهد السياسي العالمي لفترات طويلة: المحافل الماسونية في فرنسا، الألوميناتي في ألمانيا، الذئاب الرمادية في تركيا، الأبوس داي في أسبانيا، غلاديو في إيطاليا، وأكازو في رواندا.. .. ..
وبسقوط المعسكر الشيوعي توقع كثيرون أن تبدأ مرحلة تكون السياسة فيها متحررة من القيود النخبوية، آملين أن تنتهي باختفاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي حقبة الاحتكار النخبوي للحقيقة وبالتالي السلطة، لكن التغير خالف التوقعات أحيانا، وبدأت شواهد على حالة ارتداد للنخبوية، والشواهد هذه المرة تأتي من فرنسا عبر عودة قوية للتنظيمات الماسونية، وكانت بلغت أوج قوتها في الجمهورية الفرنسية الثالثة (1870 – 1940)، حتى أنها كانت تعرف بـ "الجمهورية الماسونية".
وقد كان حدثا نادرا في باريس عام 2005 عندما شاهد الفرنسيون آلاف الماسونيين يجوبون ساحة الجمهورية دفاعا عن العلمانية في مئوية القانون الشهير الصادر عام 1905، وفيه رفعت الكنيسة يدها عن السلطة. وبمسيرتها حاولت الماسونية، وبخاصة المحفل الشرقي الكبير، دق ناقوس الخطر علي ما اعتبره المتظاهرون تهديدات مصدرها فلسفات دينية أو محافظة قد تعيد شبح هيمنة الكنيسة.
ومؤخرا تعاظمت مخاوف الماسونية بسبب ما تعتبره "تغلغل الظواهر الدينية" في المجتمع، كما أن الإسلام بات يشكل هاجسا لديها.
لكن هذه التحول كشفت أيضا أن العلمانية لم تفلح يوما في الهيمنة التامة على فرنسا، فحتى الآن لا يطبق القانون الصادر عام 1905 في أقاليم الألزاس الحدودية، فهي ما زالت خاضعة لمعاهدة البابوية القاضية بالمحافظة علي القيم الدينية، ويطالب المحفل الشرقي الكبير بإلغاء هذه المعاهدة كونها لا تساعد على بسط الدولة قيمها على أرضها بإبعاد كل المرجعيات الدينية من الحياة العامة. وحرصا من الماسونيين الفرنسيين على ألا تتم صفقة تؤدي لإعادة النظر في شمولية التوجه العلماني لفرنسا طالبت شعاراتهم بالإبقاء علي قانون العلمانية إلى الأبد!
وقد جرت هذه المظاهرة عندما كان الرئيس الفرنسي ساركوزي وزيرا للداخلية واعتبر المحفل الشرقي الكبير دعوته آنذاك لتأليف لجنة لدراسة قانون 1905 "أمرا خطيرا جدا". وقد اعتبر كثيرون أن خروج الماسونيين للشارع اتجاه لفتح أبواب الماسونية بعدما ظلت موصدة وبعد عهود من السرية التامة.
وبين عامي 2005 و2009 تعمق التغير وخطت الماسونية خطوتها الكبيرة بعقد المحفل الأكبر للماسونية مؤتمره الأوسع علنا في العاصمة اليونانية تحت عنوان "عبر بناء أوروبا نبني العالم". وشارك فيه ممثلون من:
























